أخبار عالمية

ابن تيمية لم يقتل ابنة البلتاجي

يطيب لإبراهيم عيسى، سعيا وراء الشهرة، أن يرمي رموز الأمة بالطوب من استوديوهات القنوات الفضائية، سواء من قنوات ساويرس أو "الحرّة" أخيرا، فالرجل يعطي لكل قناةٍ مُرادَها ومطلوبها. رِجل منه في الصحافة ويد في السينما ممثلا أو كاتبا، ورِجل في الدين، وشهوة حارقة لأميركا وفضائها، ناسيا، في الوقت نفسه، جيفارا الذي ظل خلف ظهره سنوات رمزا وأيقونة، ورجل الأطماع التي لا تشبع، دائما يأكل الرمز ويبيع حتى الأيقونة، في شكل أحاديث دينية عن أبي بكر وعمر سنوات، أو سب متولي الشعراوي قبل أن يصل إلى سن الخامسة والعشرين، حتى اشترى أخيرا في قناة الحرّة "بلطة" لابن تيمية. ألا يعلم إبراهيم عيسى أن ابن تيمية لم يُقدم على 34 مذبحة في مصر خلال ست سنوات، ذهب ضحيتها فوق الألفين غير المختفين قسريا، غير الآلاف المؤلفة في السجون. وجلست في حضرته، في بداية ملكه، تفرش له فرشة المظالم كأرنب تحاوره، وحينما قلت كلمة "عسكر"، هبّ فيك هبة، وزاغت عينك، تحث النظارة من دون أن تستطيع أن تلملم نفسك من الرهبة. بالطبع المشهد كله كان تمثيلا متفقا عليه بالورقة والقلم، كي يذبح الزعيم القادم للشعب القطّة مقدما، فماذا فعل ابن تيمية في أمته، بالمقارنة بما رأيته بأم عينيك ست سنوات، كنت أنت وتلامذتك من سدنته وآكلي خبزه، بلا مروءة، وبلا احترام لكلمة صحافة أو مهنية، إلى درجة أن ليلة انقلاب تركيا خرجت تزغرد فرحا، وقلت لرئيس دولة، وهو أردوغان: "اركن جنب أخوك"، تقصد جنب محمد مرسي رحمه الله، هل الصحافة هكذا؟ أم تلك هي مكيدة العيال الذين يعملون حتى بثقل أرواحهم مع الانقلابات في العالم من دون حتى روية أو تفكير؟ هل بعد ذلك تبقت لك مصداقية كي تناقش أفكار ابن تيمية، والنقاش، على فكرة، جائز شرعا وعقلا ودينا، من دون أن تكون "سكة محراث" لطاغية يقتل شعبه في 34 مذبحة وأكثر.
ألا تعرف أن ابن تيمية لم تتسبب فتواه في قتل ما لا يقل عن خمسين مليونا في حربين عالميتين، ودكّ ثُلث مساحة أوروبا فقط في عنفوان القرن العشرين (قرن ماركس وفرويد وجيفارا)؟ ولا قادت فتواه حروبا صليبية ما بين الشرق والغرب استمرت سنوات، ولا دمّر سورية بالبراميل المتفجرة من الطائرات، ولا هجّر عشرة ملايين سوري مات منهم الأطفال في عرض البحر، ولا جوّعت فتواه النساء في اليمن، ولا أبادت فتواه الملايين من الهنود الحمر، ولا شال تلامذته أطنان الذهب من الأميركتين إلى خزائن إسبانيا، ولا حضّت فتواه على قتْل الغجر أو اليهود أو حرقهما، فقد عاش الزّط والغجر في جنبات دويلاته الإسلامية، على أيامه، بلا أذى، ومن اليهود مَن كان كاتبا أو وزيرا للخزانة أو طبيبا لخليفة أو مترجما لديوانه. ألا تعرف أن ابن تيمية لم يقل لحاكم "اضرب في المليان"، كما قال المفتي علي جمعة وسط مئات الضباط الذين رقصت في جوقتهم في 30/6.
صحيحٌ أن ابن تيمية لم يتزوّج، وكذلك سيد قطب، وتلك ليست مسبّة كي تسوقها للناس أنها سبب الأزمة عند الاثنين، فآلاف من الرهبان والقدّيسين لم يتزوجوا، وظلوا في "قلاياتهم" بلا قتل ولا دماء، وظلوا يزرعون النخيل والزيتون، ويضفرون الخوص والسعف لأصحاب الحوائج والفقراء، فهل صنع ابن تيمية بارودة أو قنبلة أو حرق كنيسة أو معبدا لأحد؟ بلداته استقبلت الهندي والأرمني والصقلي واليوناني والشركسي والبلقاني من قرون غابرة. وبعضهم صار حاكما، كمحمد علي وأولاده وأحفاده، بل من الطواشي والخصيان من صار له شأن ككافور الإخشيدي. ولك أن تعرف في النهاية أن ابن تيمية له تلك الكلمات: "الهجر الجميل: هجر بلا أذى، والصفح الجميل: صفح بلا عتاب، والصبر الجميل: صبر بلا شكوى". اللهم أنعم علينا بصبر الرجال، وأبعدنا عن تهافت الصغار للشهرة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق