التكنولوجيا

هل البودكاست قناة نشر مناسبة في العمل الحكومي؟

بالرغم من انتشار اليوتيوب في السعودية منذ 2010، لم تستطع الجهات الحكومية استغلاله بالشكل الصحيح، كوسيلة إعلامية تربط الجهة بجمهور مختلف لإيصال رسائل مختلفة، حتى 2015 تقريبًا.

وهذا متوقع. قصة الإنترنت والوسائل الإعلامية الرقمية التي تنشأ فيه هي دائمًا قصة حلقة تتوسع تدريجيًا. تبدأ الوسيلة باعتبارها شيئًا غريبًا، لا يحبها إلا ثلة من الناس المتمكنين تقنيًا، ثم تنتشر أكثر فأكثر، متحولةً من القلة إلى الإنتشار، حتى تصبح شيئًا يعرفه الكل. وحينها فقط تأتي الشركات الضخمة لتستغل الوسيلة في مبيعاتها، تتبعها الجهات الحكومية لإيصال رسائلها الإعلامية. حصل هذا مع الإنترنت، وتويتر، ويوتيوب.

إلا أن النظير الصوتي لليوتيوب، ونعني هنا البودكاست، يعيش قصّةً مختلفة. الجهات الحكومية اليوم سبقت الشركات، بل حتى عامة الشعب، في تبني هذا الوسط الإعلامي الرقمي الجديد.

ربما المثال الأشهر والأكثر حضورًا في المنطقة هو بودكاست المحور الثاني، التعاون المشترك بين الهيئة العامة للجمارك وإذاعة ثمانية، والذي يحكي في كل حلقة قصة من عالم التجارة العابرة للحدود، القصة التي تمر عادةً على ذكر شيءٍ من مجهودات الجمارك المتعلقة بتيسير التجارة وتحريك الاقتصاد.

لكن الجمارك ليست الجهة الوحيدة التي أطلقت بودكاستها الخاص. كذلك هيئة الغذاء والدواء، وهيئة المواصفات والمقاييس، ووزارة الصحة، وهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومؤسسة النقد العربي السعودي، وحتى وزارة الخارجية.

لماذا هذه السرعة في التبنّي؟ يعود الأمر لعدة أسباب، أهمها: أسبقية الغرب في تبنّي وسائل النشر الجديدة.

قصة البودكاست الحكومي في الغرب

كل الوسائل الإعلامية الرقمية المذكورة في الأعلى بدأت عند الغرب قبل وصولها لنا بسنوات. وكلها أيضًا اتبعت النمط المذكور في الأعلى: شريحة صغيرة تتبنى الوسيلة، تتوسع تدريجيًا حتى تصل للعامة، ثم تأتي الجهات الضخمة.

إلا أن النمط كُسر في البودكاست، والسبب هو تبني قنوات الراديو السريع للمنصة الجديدة لا كمنافس، بل كمكان للنشر.

عاش اليوتيوب سنوات عديدة معتمدًا على الجهود الفردية لمبتكرين هواة، قبل دخول القنوات الترفيهية الضخمة التي ”أكلت الجو“ على المبتكرين الفرديين الذين يصنعون المحتوى في منازلهم. لكن في البودكاست، كانت أسماء برامج الراديو العملاقة مثل This American Life وما تنشره NPR تقف جنبًا إلى جنب في ترتيب الاستماعات مع برامج الهواة والكوميديين المستقلين. ولذلك عندما بدأت شريحة المتبنين للتقنية الجديدة تتوسع تدريجيًا، كان من الصعب على مدراء العلاقات العامة في الجهات المختلفة التعامل مع البودكاست كمنصة أقل جودة من الراديو.. كان البودكاست هو الراديو.

نتيجة لذلك ظهرت الكثير من البودكاستات الحكومية من الأيام الأولى لهذه التقنية الجديدة، كما يظهر في هذه الصفحة التي أُنشئت قبل 15 سنة، والتي تسرد قائمةً طويلةً من بودكاستات المؤسسات والمسؤولين. مع مرور الوقت ازداد عدد البودكاستات الحكومية، وازدادت كذلك أهمية الجهات التي تطلقها. مثل بودكاست Direct Current من وزارة الطاقة الأمريكية، أو بودكاست Wanted by The FBI من مكتب التحقيقات الفيدرالية.

بالطبع هذا التبني لا يقتصر على الحكومة الأمريكية فقط. البرلمان البريطاني يستعرض عملياته الداخلية من خلال بودكاست Parliament Explained، أما هيئة الدخل الكندية فتشرح الطريقة المثلى للتعامل مع تسجيل الرواتب لدى الحكومة من خلال بودكاستها The Payroll Podcast، بل حتى أن السفارة الدينماركية في اسبانيا أطلقت بودكاستًا خاصًا بها اسمه DigitalDiplomacy#.

لكن بالرغم من كل هذا التطور، تواجه الجهات الحكومية في بودكاستاتها مشكلةً عويصة.. لا أحد يستمع لك سوى المهتمين بعملك.

توسيع دائرة الوصول

في بحث أجراه البودكاستر الأمريكي فريد ديوز يُذكر أنه من بين مئات البودكاستات الحكومية، كان هناك بودكاست واحد فقط استطاع الوصول لقائمة المئتين الأعلى في تصنيف آبل: بودكاست Houston, We Have a Podcast من ناسا.

هذه المعلومة مفهومة لأن موضوع البودكاست ومجال ناسا، استكشاف الفضاء، هو موضوع مثير لعامة الناس، وبالتالي الجمهور المحتمل للبودكاستات التي تغطي هذا الموضوع ضخم جدًا. ربما لهذا السبب أطلقت ناسا أكثر من 24 بودكاستًا حتى الآن.

في الجهة الأخرى، هناك جهات ومؤسسات حكومية تقوم بأعمال مهمة جدًا، لكنها لعامة الناس تبدو مملة. فتكون المعضلة أن مستمعي البودكاست يكونون في الغالب من موظفي الجهة نفسها أو أحد المتعاملين بشكل متكرر معها. لكن هذا لا يعني أن الجهات الوحيدة التي تنجح في نشر رسائلها هي وكالات الفضاء ومكاتب التحقيق والشرطة. للجهات ذات الأعمال المعقدة فرصة لنشر رسائلها من خلال هذا الوسط الجديد، وهو رفع جودة الإنتاج والإعتماد على القصة.

بودكاست وزارة الطاقة الأمريكية على سبيل المثال، حصل على تغطية إعلامية جيدة بسبب جودة إنتاجه المرتفعة والتي تمت مقارنتها مرة تلو الأخرى بجودة إنتاج NPR. يحكي البودكاست قصصًا متنوعة عن الطاقة، والطاقة النظيفة بالخصوص، بأسلوب وثائقي صحفي يصعب على بقية البودكاستات الحكومية محاكاته.

وهذا المثال يتكرر محليًا، فمن غير المستغرب أن يكون المحور الثاني أطول البودكاستات الحكومية استمرارًا، وهو الذي يستخدم أسلوبًا وثائقيًا قصصيًا لاستعراض تأثير الجمارك الاقتصادي، متفاديًا بذلك إزعاج المستمع بالرسائل المباشرة المكررة، وهو ما ينتج عنه تقبّل أكثر للبودكاست، وللرسائل غير المباشرة التي يستعرضها.

بالطبع ليست هذه هي الطريقة الوحيدة للنجاح. بودكاست الخارجية مثلًا، وبالرغم من عدد حلقاته القصير وأسلوبه التقليدي وطريقة نشره المحدودة، حقق أصداء جيّدة باستخدامه لموارد الوزارة وسمعتها، حيث كان ضيف البودكاست الأول هو وزير الخارجية السابق عادل الجبير، تبعه بعد ذلك الإعلامي المخضرم عبدالرحمن الراشد. الجمارك كذلك استضافت محافظها أحمد الحقباني في إحدى الحلقات، وكذلك هيئة الغذاء والدواء مع رئيسها التنفيذي هشام الجضعي.

هذا التمكن المبكّر من لغة التقنية الجديدة، من خلال حرفة القصة أو من خلال استغلال الموارد الداخلية، قد ينتج عنه أشياء مثيرة للإهتمام. كأن تتخلى الجهات الحكومية مستقبلًا عن التغطيات الصحفية واللقاءات التلفزية. وتصبح، مثلها مثل بقية شركات المحتوى والإنتاج، مسيطرةً تمامًا على قنواتها الخاصة، قادرةً على إرسال رسائلها بحرية تامة.

الكاتب: سفر عياد، مهتم في مجال التقنية و الاقتصاد.

التدوينة هل البودكاست قناة نشر مناسبة في العمل الحكومي؟ ظهرت أولاً على عالم التقنية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق