أخبار عالمية

الشعبوية بين أميركا وأوروبا

لا يوجد تعريفٌ محددٌ للشعبوية، فدلالتها تختلف نوعا ما باختلاف الزمان والمكان، كما يندر أن تصف الأحزاب أو الحركات نفسها بأنها شعبوية، كما كتب ديفيد جودهارت في كتابه عن الشعبوية. ويختلف الأكاديميون حول ما إذا كانت أسلوباً أو مجموعةً من المعتقدات المحورية أم توجهاً سيكولوجياً. وقد قدم عالم التاريخ الأميركي، ريتشارد هوفستاتر، بحثاً في أحد مؤتمرات كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في 1967 عنوانه "الجميع يتحدثون عن الشعبوية. لكن لا أحد يستطيع تعريفها"، وهو ما يناسب كونه قد كتب ليصفها في يومنا الحاضر، حيث انتشار الشعبوية في كل من أوروبا وأميركا. وتغطي هذه الكلمة ظواهر سياسية مختلفة عديدة، ما يقلل من قدرتها على شرح نفسها، فلو كان ثمّة فكرةٌ واحدة تعتبر قاسماً مشتركاً يوحد تقريباً هذه الأشكال المختلفة، سيكون: إن مصالح الناس الشرفاء الوقورين تتعارض وتتضارب جوهريٍا مع مصالح النخب التحرّرية.
تم استخدامها للمرة الأولى من أجل وصف ثوريي روسيا الذين نادوا بتوزيع الأراضي الزراعية توزيعاً عادلاً في القرن التاسع عشر. كما أن حزباً شعبياً مكوناً من صغار الفلاحين وَالعمال عُرِفَ باسم الشعبويين (The Populists) كانت له شوكته، فترة وجيزة، في الولايات المتحدة خلال تسعينيات القرن التاسع عشر. أيضاً، كما أن الحزب التقدمي الذي أسسه ثيودور روزفلت في 1912 تم وصفه بالشعبوي. ومع أنه عادة ما يتم، في الولايات المتحدة وَفي أميركا الشمالية، الربط بين المصطلح وَاليسار، فإن المصطلح في أوروبا يستخدم للدلالة على اليمين، فعلى أرض الواقع، يتفرع عن الشعبوية الأميركية جناحٌ يساريٌ نخبويٌ معادٍ للعولمة والرأسمالية، كما يوجد فرعٌ للجناح اليميني يتصف بهويته الوطنية وَمعاداته تدفق المهاجرين. وفي عام 1882، لعب التفرع الثاني من الشعبوية دوراً في إقرار قانون منع هجرة العمال الصينيين إلى الولايات المتحدة، وَفي توقف الهجرة الذي بدأ في أوائل عشرينيات القرن العشرين. هذا ويجمع الرئيس الأميركي، ترامب، بين صفات وجوانب من شعبوية اليمين واليسار في آنٍ.
ثمّة أمران، يقال إن جميع الشعبويين يتشاركون فيهما، وهما كره (ومعاداة) أنواعٍ كثيرةٍ من النخب، وأصحاب البنوك، والحكومات، والعالميين، والمفكرين، وَالإيمان "بالإرادة العامة" النزيهة، وكذا الاعتقاد بأن الناس يشكلون كياناً متجانساً ضخماً عبر تشارك الأفكار وَالاهتمامات. وعادةً ما يُحدث هذا الأمر نوعاً من التصادم والصراع بين الشعبويين والليبراليين، الذين يركزون على الفرد وحقوق الأقليات، وكراهية التركيز على الغالبية، فالشعبوية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض كانت "تمردا" ضد حكم نخب الساحلين، الشرقي والغربي، أو كما يقال ضد نخب نيويورك وسان فرانسيسكو، فهي، بشكل أو بآخر، انعكاس لتمرّد خفي ضد النخب الحاكمة اقتصاديا وسياسيا.
كشفت الشعبوية عن التوتر المتأصل بين شقي عبارة "الديمقراطية الليبرالية" بين إرادة الأفراد الحقوق الدستورية والقانون من جهةٍ أخرى مصدرا للقرارات الشرعية. أي وفق صيغةٍ أخرى (معادية للشعبوية): الحق بأن يتم حكمك بحكم مقابل حقك بالتصويت، فعند المحك، يقدم الشعبويون الديمقراطية على الحرية، فيما يظهر أنه في حال وضع الليبراليين على المحكّ، فإنهم سيقدمون الحقوق وَالمنطق على الديمقراطية، كما ظهر جلياً في الغضب العارم الذي أبداه التقدميون عقب التصويت لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، حيث بدا أشبه بليبراليي القرن التاسع عشر الذين أرادوا قصر حق الاقتراع على أصحاب الآراء السديدة المحترمة.
ويشكل الصراع بين الليبرالية والديمقراطية مشكلةً عويصةً في بعض أجزاء أوروبا، خصوصاً بعد أن تم الآن تجريد الخيار الديمقراطي الوطني من أشياء عديدة، نتيجةً لإقامة المصارف المركزية المستقلة، وامتداد القضاء نحو ميادين كحقوق الإنسان، وتطور قانون الاتحاد الأوروبي، فوفقاً لما أوضحه الباحث السياسي البلغاري، إيفان كراستيف، شكلت كراهية نخب ما بعد الشيوعية أحد الأسباب لتأجيج الحماس الشعبي نحو عضوية الاتحاد الأوروبي في أوروبا الوسطى، إلا أن الأمر لم يستغرق مرور عشر سنواتٍ، ليبدأ النظر إلى بروكسل على أنها عدو، مع وجود تواطؤ وتعاونٍ مع النخب المحلية عادةً، إذ يرى كراستيف: كانت نتيجة ذلك تشكل سياسةٍ يعادي فيها الشعبويون الليبراليين علناً، وتعادي النخبُ الديمقراطيين سراً.
الشعبوية هي التيار المسيطر داخل أحزابٍ، مثل حزب استقلال المملكة المتحدة وَحركة النجوم الخمس في إيطاليا، أو حزب الشعب الدنماركي. وَلدى الذين يصوتون لصالح هذه الأحزاب أسباب منطقية ومعقولة، تدفعهم إلى ذلك، فمعظمهم من الناخبين المعتدلين سابقاً، يمارسون حقهم الطبيعي في التعبير عن تذمرهم السياسي، فهم لا يريدون بالضرورة أن يشكل الحزب الشعبوي الذي صوتوا له الحكومة، بل أن تقوم أصواتهم بوظيفة المكابح. أضف إلى ذلك رغبتهم في تسجيل تذمرهم وشكواهم حول أداء النخبة، فمقارنةً مع الإنجازات السياسية للفترة التي تلت الحرب مباشرةً، نجد أن من المنطقي جداً أن تنتقد النخب الغربية وإجماع نخب الجيل الماضي: إحداث اليورو، وأخطاء في السياسة الخارجية كالحرب على العراق، وفضيحة النواب البريطانيين في عام 2009، وكذا الفشل في التفكير بنتائج الهجرة الجماعية واسعة النطاق، (وفي بريطانيا تحديداً، الفشل في التنبؤ بتدفق المهاجرين الشرق أوروبيين بعد 2004)، والفشل في تحقيق الحماية من آثار العولمة التي وعِدَت بها الطبقات الاجتماعية في النصف الأدنى من المجتمع، والفشل في التحكم بالقطاع المالي، أو الاختلالات العالمية التي أدت إلى حدوث الأزمة الاقتصادية بين 2007-2008. أيضاً، وكما عبر الكاتب جون لويد عن ذلك، لم تنجح النخب السياسية بتجديد عروضها بما يكفي في استقطاب الناخبين، أو في مشاركتهم خيبتهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق