أخبار عالمية

تقدم الغرب وتخلفنا

يعيش الإنسان العربي شرخا عميقا بين إحساسه وإيمانه بأحقيته العقدية والتاريخية في أن يكون على رأس المجتمعات في الازدهار والتقدم، وبين واقع الحال الذي يقول بعكس ذلك، إذ لا يحظى الإنسان العربي في مجمل التصنيفات التنموية إلا بالمراتب المتأخرة. ويبقى السؤال الذي طرح في فترة ما يعرف بالنهضة العربية مع محمد عبده والكواكبي والأفغاني معلقا إلى اليوم، وينتظر الإجابة عنه: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن؟
تتم تنشئة الإنسان العربي على أنه صاحب الحق في قيادة العالم، وذلك عبر مختلف وسائط التنشئة الاجتماعية من أسرة ومدرسة وإعلام، ويتم التركيز على أنه في حرب دائمة لاسترداد الريادة، وأننا في مرحلة انحطاط، وهي مرحلة ستنتهي إذا ما استطعنا العودة إلى ذلك النبع الصافي الذي كنا نستمد منه طاقتنا وقوتنا في عملية ارتدادية نحو الماضي، تؤدي إلى التحلل من الحاضر وشيطنة المستقبل. هكذا نصبح ماضويين بامتياز، ولا مكان لنا، لا في الحاضر ولا في المستقبل.
إننا، وفي كل الأحوال لا نستطيع استعادة هذا الماضي ولو افترضنا جدلا أنه متنور لأن كل المعطيات تغيرت وسيكون من الغباء، ومن التنطع التاريخي افتراض أنه في الوسع الإجابة عن إشكاليات الحاضر بأجوبة تم إنتاجها في الماضي.
ومقابل تكفير الغرب والآخر بصفة عامة نستغرب كيف يكون أكثر أخلاقا وأكثر أمانة منا، وأنه هو من يدافع عن حقوق الإنسان، وهو من يصطف بجانب القضايا العادلة، ويحقق العدالة الاجتماعية، وهو من تبتسم له الحياة ويحظى بكل مظاهر الرفاهية والعيش الكريم! وفي عملية للبوح الخفي نتساءل في شكل استنكاري: هل يعقل أن يكونوا أفضل منا؟ وما الذي ينقصنا لنكون الأفضل؟
حدثني أحد الاصدقاء، والذي كان في بعثة تربوية في إحدى ثانويات السويد أن التلاميذ، إناثا وذكورا، يتحدثون بأدب مطلق مع أساتذتهم، بل إنهم لا ينظرون إلى الأستاذ إلا نظرة احترام وتقدير. وأضاف: لم أرَ أي انحلال خلقي كما يتم الترويج لذلك، الناس في غاية اللطف والأدب؟
في مجتمعاتنا يتم استيراد كل شيء، آخر صيحات الموضة، آخر أنواع وأفخم السيارات، أفضل الهواتف الذكية وباهظة الثمن، نستورد الأدوية، نقوم بجلب الخبرة والخبراء، نبني مدنا مثل مدنهم وناطحات سحاب أعلى من ناطحات سحبهم، ومع هذا كله، نصنف في آخر الترتيب ويتم اعتبارنا دولا متخلفة، فأين الخلل؟
يبدو أننا نستورد كل شيء ونحاكي خبرات الغرب التقنية والعلمية، وقد نتفوق عليهم أحيانا، لكننا نبقى عاجزين أمام شيء واحد، ولا يبدو أننا قررنا في يوم من الأيام أن نأخده هو الآخر، إنه منظومة القيم، فالحضارة الغربية ليست تقنية فقط بل هي منظومة متكاملة وكل جزء فيها يقوم بإسناد وتقوية الأجزاء الأخرى.
لن يتقدم العرب إذا لم يأخذوا أيضا الديمقراطية والتعددية والحرية وحقوق الإنسان ودولة القانون والمؤسسات.
ساعة روليكس وكيفما كان ثمنها لا تساوي شيئا إذا لم تأت في موعدك وتحترم من ينتظرك. سيارتك المصفحة، والتي لا يوجد مثيل لها لا تعني شيئا إذا لم تتوقف لتحترم راجلا يعبر من ممر الراجلين.
إن التوليفة العجيبة والمغرقة في الشوفينية القيمية التي تقول بأخذ تقنيات الغرب مع الحفاظ على نفس بنيات البداوة والعشائرية والقبلية، لن تؤدي إلا إلى مسخ حضاري وازدواجية تصيب كل مفاصل الحياة. زد على ذلك أنه، وحتى حينما تستعمل وسائل الديمقراطية والبنيات التمثيلية للشعب من مجالس وبرلمانات، فإنها لا تتعدى الشكل نحو الجوهر، مما أصاب العرب بدوار تاريخي لم يخرجوا منه منذ بداية صدمة الاستعمار وإلى اليوم.
لدينا قوانين وأحزاب وديمقراطية ومؤسسات تمثيلية، وهي على شاكلة ما يوجد في أعتى الديمقراطيات لكنها لا تتجاوز الشكل نحو المضمون. لدينا أيضا قوانين لكننا لا نستطيع العبور إلى روحها، لدينا مؤسسات للعدل لكن بدون عدالة ومؤسسات تعليمية بدون قيم تربوية، ولدينا مستشفيات بدون استشفاء ومؤسسات للأمن تثير الرعب، وأسر تساهم في التفكك بدل نسج أواصر الأخوة والمحبة، ولدينا جامعة للدول العربية تفرق أكثر مما تجمع.
إن الأخذ بأسباب التقدم يكون في شكله وجوهره، ويبدو أن كل ما يظهر لنا من مظاهر للتقدم والازدهار، ليس إلا فقاعة كبيرة ستنفجر في وجوهنا مع أول ارتطام.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق